السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
165
مختصر الميزان في تفسير القرآن
الغيبة لدخالة صفة الرسالة في هذا التميز ، والمراد بجعل القبلة السابقة : جعلها في حق المسلمين ، وان كان المراد أصل جعل بيت المقدس قبلة فالمراد مطلق الرسول ، والكلام على رسله من غير التفات ، غير أنه بعيد من الكلام بعض البعد . وثانيا : ان الصلوات التي كان المسلمون صلوها إلى بيت المقدس كيف حالها ، وقد صليت إلى غير القبلة ؟ والجواب : ان القبلة قبلة ما لم تنسخ ، وان اللّه سبحانه إذا نسخ حكما رفعه من حين النسخ ، لا من أصله ، لرأفته ورحمته بالمؤمنين ، وهذا ما أشار اليه بقوله : وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ ، إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ . والفرق بين الرأفة والرحمة ، وبعد اشتراكهما في أصل المعنى ، ان الرأفة يختص بالمبتلى المفتاق ، والرحمة أعم . قوله تعالى : قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها ، الآية تدل على أن رسول اللّه قبل نزول آية القبلة - وهي هذه الآية - كان يقلّب وجهه في آفاق السماء ، وان ذلك كان انتظارا منه ، أو توقعا لنزول الوحي في أمر القبلة ، لما كان يجب ان يكرّمه اللّه تعالى بقبلة تختص به ، لا انه كان لا يرتضى بيت المقدس قبلة ، وحاشا رسول اللّه من ذلك ، كما قال تعالى : فلنولينك قبلة ترضيها ، فان الرضا بشيء لا يوجب السخط بخلافه بل اليهود على ما في الروايات الواردة في شأن نزول الآية كانوا يعيّرون المسلمين في تبعية قبلتهم ، ويتفاخرون بذلك عليهم ، فحزن رسول اللّه ذلك ، فخرج في سواد الليل يقلب وجهه إلى السماء ينتظر الوحي من اللّه سبحانه ، وكشف همه فنزلت الآية ، ولو نزلت على البقاء بالقبلة السابقة لكانت حجة له صلّى اللّه عليه وآله وسلّم على اليهود ، وليس ولم يكن لرسول اللّه ولا للمسلمين عار في استقبال قبلتهم ، إذ ليس للعبد إلا الإطاعة والقبول ، لكن نزلت قبلة جديدة ، فقطع تعييرهم وتفاخرهم ، مضافا إلى تعيين التكليف ، فكانت حجة ورضى . قوله تعالى : فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ، الشطر البعض ، وشطر المسجد الحرام هو الكعبة ، وفي قوله تعالى